ابنا : وإذا أردنا أن نقارب هواجس الشَّارع حول عمليَّة الحوار فيمكن أن ندوِّن بعصًا منها على شكل تساؤلاتٍ تبحث عن إجاباتٍ:
الهاجس الأول:
هل يرقى الحوار إلى مستوى هموم الشَّارع الحقيقيَّة؟
صحيحٌ أنَّ المطروحَ أنْ لا سقف للحوار...
وصحيحٌ أنَّ أعدادًا كبيرةً من المرئيَّات قد قُدِّمت...
إلَّا أنَّ السؤال الذي يلاحق هذا الملتقى: هل أنَّ الحوار الفعلي سوف يُقارب هموم الشَّارع الواقعيَّة ومطالبه الحقيقيَّة، خاصَّة أنَّ بعض القوى المشاركة صرَّحت بتغييب قسمًا من مرئيَّاتها عن جداول الجلسات، ممَّا يعني أنّ هناك خشية من وجود انتقائيَّة، وهذا يبرِّر للشارع أن يتساءلَ، وأن يشكَّ، وأن يقلق، وأن يرفض، ومهما تنوَّعت وتعدَّدت العناوين التي تشكِّل محاور الحوار، وهي عناوين تشكِّل في الغالب هموم ومطالب لدى الشارع البحريني إلَّا أنَّ المفصل السِّياسي هو المفصل الأساس الذي يحكم جميع المفاصل، فمهما نجح الحوار في وضع علاجات للمفاصل الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والحقوقيَّة فسوف تبقى هذه العلاجات عاجزة حينما يفشل الملتقى في وضع حلولٍ جذريَّةٍ وحقيقيَّةٍ للمشكل السِّياسي، وحينما ينجح الحوار في مقاربة الحلِّ الحقيقي والواقعي للمأزق السِّياسي فسوف يوفِّر ذلك ظرفًا صالحًا للتعاطي مع باقي الملفَّات والمفاصل مهما كانت معقَّدة وصعبة، إلَّا أنَّ هذا المنحى لا يبدو واضحًا في مسار الحوار، بل إنَّ القضايا الجوهريَّة في الشَّأن السِّياسي مغيَّبة عن طاولة الحوار...
الهاجس الثاني:
هل أنَّ آلية الحوار آلية صحيحة؟
أحد المخاوف الكبيرة التي تتحرَّك في الشَّارع أنَّ الآلية التي وُضعت للحوار ليست مؤهَّلة لإنتاج حلولٍ حقيقيَّة، فهذه الكثافة من المشاركات لا توفِّر الفرصة إلى وقفاتٍ جدِيَّة مع القضايا المطروحة، ولا توفِّر الفرصة لإنتاج حلولٍ ناجعةٍ في ظلِّ أجواءٍ حواريَّةٍ ممزوجةٍ بالتجاذبات، وربَّما بالضَّجيج والصَّخب، الأمر الذي سوف يضيِّع المعالجات الواقعيَّة، خاصَّة حينما تحكم الحوار مزاجات متناقضة، وأهداف موَجَّهة ويبدو للشارع أنّ الملتقى يؤكِّد على المظهر أكثر مِن المحتوى، وعلى الشَّكل أكثر من المضمون، وعلى العنوان أكثر من الموضوع، هكذا يقرأ الشارع طبيعة هذا اللقاء ممَّا شكَّل عنده مخاوف كبيرة، بل يكاد يقطع بوجود خللٍ في آلية الحوار، الأمر الذي لن يسمح بنتائج كبيرة لهذا الملتقى، فما لم تعدَّل الآليَّة، فالخشية واضحة في أن يتعثَّر الحوار...
وأمّا ما هي الآليَّة الصحيحة، فهذا يفرض أن تكون الجلسات الأولى للتداول حول الآليَّة الصائبة، وإنَّ أيَّ تجاوزٍ لهذا الأمر سوف يُراكم الأخطاء والمسارات المتعثِّرة ممَّا يعني الجهد الضَّائع والوقت الضَّائع...
الهاجس الثالث:
هل أنَّ اختيار المتحاورين قائمٌ على أسسٍ صحيحة؟ وهل هناك تمثيلٌ واقعيٌّ للشَّارع؟
صحيحٌ ليس من حقِّ أيِّ شخصٍ أو جهةٍ ادِّعاء تمثيل الشَّارع إلَّا بمقدار ما يملك من رصيدٍ لدى هذا الشارع أو لدى بعض مكوِّناته، ومن الواضح أنَّ أحجام الحضَّار في هذا الملتقى أحجامٌ متفاوتة بنسبٍ كبيرة، فربَّما لا يمثِّل البعض إلَّا نفسه، وأخرون يملتكون مساحاتٍ محدودة في الشَّارع، وهناك من يملك حضورًا كبيرًا بشكلٍ واضح، فهل التمثيل في الحوار أخذ في حسبانه هذا الأمر، أم أنَّ المهمّ أن تمثَّل الأطياف والمكوِّنات وليس بالضَّرورة أن يكون متناسبًا مع أحجامها في الشارع، فليس غريبًا وِفْق هذه الرؤية أن يُعطَى لجهةٍ ما تملك رصيدًا انتخابيًّا يتجاوز السِّتين في المائة نفس ما يُعطَى لجهةٍ أخرى لا تملك أكثر من واحدٍ في المائة، بل ربَّما لا تملك شيئًا من رصيد الشارع...
هذا إذا تجاوزنا مسألة الانتقائيَّة في الاختيار، ووِفْق كلِّ هذا فسوف لن تكون النتائج وِفْق رغبات وطموحات وإرادات الشَّارع في مساحاته الكبيرة، بقدر ما هي رغبة الأكثريَّة الداخلة في الحوار، وهي ليست أكثريَّة شعبٍ أو أكثريَّة شارع، وبالتالي فسوف لن تُرضي النتائج مساحاتٍ واسعةٍ في هذا الشَّارع...
وسوف لن ندخل هنا في جدليَّة المكوِّن الأكبر، وما يتبع ذلك من سجالاتٍ لا يحسمها إلَّا إحصائيات دقيقة واستفتاءات شعبيَّة عادلة، يبقى أنَّ الخلل في التمثيل سوف ينعكس خللًا كبيرًا على نتائج الحوار...
الهاجس الرابع:
هل انتهت كلَّ المظاهر الأمنيَّة لكي تتوفَّر مناخاتٍ صالحةٍ للحوار؟
وهل عولجت ما صاحب الأزمة الرَّاهنة من تداعيات؟
وماذا عن قضايا المفصولين، وقضايا المسجونين، وقضايا المحكومين؟
هذه أسئلةٌ تشكِّل هواجس كبيرة لدى الشَّارع، ولها علاقة في خلق الأجواء المطمئنة للدَّفع في التعاطي مع حركة الحوار، وفي إزاحة كلِّ المعوِّقات في طريق السائرين نحو طاولة الحوار...
هذه الإثارات لا تهدف إلى تعقيد مسار الحوار، بقدر ما هي محاولةٌ للبحث عن أرضيَّةٍ صالحةٍ للحوار، ومناخاتٍ ملائمة، ومكوِّناتٍ قادرةٍ على خلق التفافٍ حول الحوار...
لا يخدم الحوار مجرَّد إعلامٍ، ولا مجرَّد دعمٍ رسمي، ولا مجرَّد قناعة أطرافٍ أو كتلٍ، أو جماعاتٍ أو أشخاصٍ في داخل الحوار أو في خارجه...
ما يخدم الحوار حقيقةً أن يكون الشَّعب يُناصر الحوار، أن يلتفَّ الشارع حول هذا الحوار، وهذا لا يكون إلَّا اذا توفَّرت المناخات والأجواء التي تخلق رضى النَّاس، فيما هي طموحاتهم المشروعة...
الهاجس الخامس:
هل وُجد الجو الاجتماعيّ المتلاحم القادر على تحصين الحوار؟
أم لا زالت خطابات الفتنة تتحرَّك بالطريقة التي تؤجِّج الصِّراعات والخلافات الطائفيَّة والمذهبيَّة؟
إذا أُريد انتاج أجواءٍ اجتماعيَّةٍ وشعبيَّةٍ داعمةٍ للحوار فيجب إيقاف خطابات الفتنة والشَّحن والتحريض والتخوين التي تمارسها بعض وسائل الإعلام الرسميَّة من تلفازٍ وإذاعةٍ وصحافة...
كيف نريد لأيِّ مكوِّنٍ أن يكون شريكًا فاعلًا في الحوار، وخطابات القذف والتشهير والانتقام تحاصره بلا رحمة، فبأيِّ روحيَّة يدخل هذا المتَّهم إلى الحوار، وبأيِّ روحيَّةٍ يتعاطَى هذا الشارع المطعون في انتمائه، والمشهَّر برموزه وقياداته مع أجواء الحوار، وتتحمَّل السلطة مسئوليَّة إيقاف هذه اللغة المدمِّرة للحوار، والمؤجِّجة للفتن والعداوات الضَّارة بأمن هذا الوطن واستقراره...
الهاجس السادس:
هل أنَّ زجَّ موضوعاتٍ تتعلَّق بالمعتقد والشَّعائر الدينيَّة والخصوصيَّات المذهبيَّة كموضوع مواكب العزاء والحسينيَّات وأحكام الأسرة يخدم هذا الحوار؟
إنَّ الشارع لا يقلقه شيئٌ أكثر من محاولات التعرُّض لمعتقداته وشعائره الدينيَّة وخصوصيَّاته المذهبيَّة، فما المبرِّر أن توضع على قائمة الموضوعات الحواريَّة قضيَّة المواكب والمجالس العزائيَّة التي يمارسها الشِّيعة منذ قرونٍ في هذا البلد، هذه خطوطٌ حمراء وإنَّ أيَّ مسٍّ لها سوف ينعكس نتائج خطيرة على أوضاع هذا البلد، وإذا كانت هناك محاولاتٌ تنظيميَّةٌ لهذه الأمور فأمرٌ يُترك للتداول والتشاور بين علماء المذهب والجهات المعنيَّة، بلا حاجةٍ إلى إقحام هذه المسائل في سجالات الحوارات، خاصَّة وأنَّ هناك تصريحات تبعث على القلق صادرة من بعض الجهات والشخصيات يظهر منها رغبة في محاصرة بل مصادرة هذه الشعائر...
وكذلك الأمر بالنسبة لأحكام الأسرة فهي شأنٌ له خصوصيَّته الفقهيَّة المذهبيَّة، وقد حدَّد العلماء موقفهم من تدخُّل المؤسَّسة الرسميَّة في هذا الشَّأن وأكَّدوا على ثلاثة مرتكزاتٍ (أو ضماناتٍ):
• مرجعيَّة الشَّريعة الإسلاميَّة.
• مصادقة وإشراف أحد الفقهاء المعتمدين.
• ضمانة دستوريَّة صريحة غير قابلةٍ للتعديل تؤكِّد الثابتين الأول والثاني.
.................
انتهی/158